ابن قيم الجوزية
31
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
عليه السلام نام في جنته » وجنة الخلد لا نوم فيها بالنص وإجماع المسلمين فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم سئل « أينام أهل الجنة في الجنة ؟ قال لا النوم أخو الموت والنوم وفاة » وقد نطق به القرآن والوفاة تقلب حال ودار السلام مسلمة من تقلب الأحوال والنائم ميت أو كالميت ( قلت ) الحديث الذي أشار إليه المعروف أنه موقوف من رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد قال « خلقت حواء من قصيري آدم وهو نائم » وقال إسباط عن السدى « أسكن آدم عليه السلام الجنة وكان يمشي فيها وحشا ليس له زوج يسكن إليها فنام نومة فاستيقظ فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها اللّه من ضلعه فسألها ما أنت ؟ قالت امرأة قال ولم خلقت ؟ قالت لتسكن إلي » وقال ابن إسحاق عن ابن عباس « ألقى اللّه على آدم عليه السلام السنة ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر ولأم مكانه لحما وآدم نائم لم يهب من نومته حتى خلق اللّه من ضلعه تلك زوجته حواء فسواها امرأة يسكن إليها فلما كشف عنه السنة وهب من نومته رآها إلى جنبه فقال لحمي ودمي وروحي فسكن إليها » قالوا ولا نزاع أن اللّه سبحانه وتعالى خلق آدم في الأرض ولم يذكر في موضع واحد أصلا أنه نقله إلى السماء بعد ذلك ولو كان قد نقله بعد ذلك إلى السماء لكان هذا أولى بالذكر لأنه من أعظم الآيات ومن أعظم النعم عليه فإنه كان معراجا ببدنه وروحه من الأرض إلى فوق السماوات قالوا وكيف ينقله سبحانه ويسكنه فوق السماء وقد أخبر ملائكته أنه جاعله في الأرض خليفة وكيف يسكنه دار الخلد التي من دخلها خلد فيها ولا يخرج منها قال تعالى : وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ قالوا ولم يكن معنا في المسألة إلا أن اللّه سبحانه أهبط إبليس من السماء حين امتنع من السجود لآدم عليه السلام وهذا أمر تكوين لا يمكن وقوع خلافه ثم أدخل آدم عليه السلام الجنة بعد هذا فإن الأمر بالسجود كان عقب خلقه من غير فصل فلو كانت الجنة فوق السماوات لم يكن لإبليس سبيل إلى صعوده إليها وقد أهبط منها وأما تلك التقادير التي قدرتموها فتكلفات ظاهرة كقول من قال يجوز أن يصمد إليها صعودا عارضا لا مستقرا وقول من قال أدخلته الحية وقول من قال دخل في أجوافها وقول من قال يجوز أن تصل وسوسته إليهما وهو في الأرض وهما فوق السماء ولا يخفى ما في ذلك من التعسف الشديد والتكلف البعيد وهذا بخلاف قولنا فإنه سبحانه لما أهبطه من ملكوت السماء حيث لم يسجد لآدم عليه السلام أشرب عداوته فلما أسكنه جنته حسده عدوه وسعى بكيده وغروره في إخراجه منها واللّه أعلم . قالوا ومما يدل على أن